علي بن أحمد المهائمي
215
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الْمُبِينُ [ الصافات : 106 ] أي : الاختبار ) المبين أي : ( الظاهر ) . ولما كان المشهود أنه اختبره في أنه هل يذبح ولده أم لا ؟ قال : ( يعني : الاختبار في العلم ) إذا الاختبار بذبح الولد أو النفس ، إنما يليق في حق العامة ، ولما الأنبياء لا يتأتى منهم مخالفة أمر الحق أصلا لعصمتهم ، ولكنهم يختبرون في العلم هل يقتصرون في مطالعة العلم الأزلي إلى ما هو بالنظر إلى مظاهرهم ، وإلى ما هو بالنظر إلى نفس الأمر ، وقد وجب هذا النظر حيث كان الكشف في الرؤيا المقتضية للتعبير غالبا من صورة ما رأى في المظهر إلى ما هو بالنظر إلى نفس الأمر فاختبر ( هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا ؟ ) لظنه أن ما ظهر في المظهر الكامل لا بدّ وأن يوافق العلم الأزلي بالنظر إلى نفس الأمر ، وقد بينها ؛ فإن هذا إن تم فهو في غير الكشف الصوري لا محالة ، بخلاف ما ظهر في الكشف الصوري غالبا ؛ ( لأنه يعلم أن موطن الخيال ) ، وهو الكشف الصوري مناما أو يقظة ( يطلب التعبير ) غالبا ( فغفل ) « 1 » عن هذا الاقتضاء اعتمادا على أن ما يظهره في المظهر الكامل لا بد وأن يوافق العلم الأزلي بحسب نفس الأمر ، وغفل عن أنه قد يكون بحسب التأويل ، وقد يكون بحسب الظاهر ( فما وفي الموطن حقه ) ، وإن وضحه الحق تعالى بأنه الذي وفي لوفائه حق معرفة الحقائق . وهذه معرفة دنيئة بالنسبة إليها ؛ فلا يحل نقضها بمطلق الوفاء ، ( وصدق الرؤيا لهذا السبب ) أي : بسبب الغفلة المذكورة مع أن الحق وصفه على الإطلاق بأنه الذي وفي ؛ ولكنه صار موفيا لحق كل موطن بعده فبقي قوله تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] على الإطلاق حقيقة بعد ما كان مجازا . [ كما فعل بقي بن مخلّد الإمام صاحب المسند « 2 » ، سمع في الخبر الّذي ثبت عنده أنّه عليه السّلام قال : « من رآني في النّوم ؛ فقد رآني في اليقظة ، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل على صورتي » فرآه بقي بن مخلد وسقاه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الرّؤيا لبنا ، فصدّق بقيّ بن مخلّد رؤياه ، واستقاء فقاء لبنا ، ولو عبّر رؤياه لكان ذلك اللّبن علما ، فحرمه اللّه علما
--> ( 1 ) إبراهيم عليه السّلام عما تستحقه مواطن الخيال . ( 2 ) قال الشيخ الأكبر في الفتوحات : الوحي على ضروب : منها ما يكون متلقى بالخيال كالمبشرات في عالم الخيال ، وهو الوحي في النوم ، فالمتلقى خيال والنازل كذلك والوحي كذلك ، ومنها ما يكون خيالا في حس على ذي حس ، ومنها ما يكون معنى يجده الموحى إليه في نفسه من غير تعلق حس ولا خيال بمن نزل به ، وقد يكون كتابة ، ويقع ذلك كثيرا للأولياء ، وبه كان يوحى لأبي عبد اللّه قضيب البان وغيره ك « بقي بن مخلد » تلميذ الإمام أحمد ، لكنه كان أضعف الجماعة في ذلك ، فكان لا يجده إلا بعد القيام من النوم مكتوبا في ورقة . [ مختصر الفتوحات للشعراني ص 740 ] بتحقيقنا .